الجمعة, 29 سبتمبر 2017 01:22

شعرية القصة ..أسطوريتها.. فى وجه القمر و مبتدع السرد للقاص د. / علاء حراز

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


بقلم  الشاعرة والناقدة : فكرية غانم:

يمثل الإهداء منتهى التشبث بالجذور التى تفيض انتماءً مختلطاً بتوقٍ إلى الضوء لا يبرح السطور أبداً .وفى الرحلة النورانية يسوق إلينا القاص علاء تعريفه للإبداع حين يقول :

الحرف من نبضى ...”
”والمداد من دمى...
ليؤكد على صدق التجربة الشعورية التى إن اقترنت بسلامة اللغة، واتساع الخيال ...كان للإبداع الاكتمال .
ولأنه لا مبدع بدون رؤية ، ولا إبداع بغير قضية فقد أطل علينا برؤى تصل إلى حد الاستبصار ، وبوعى يفجر قضايا عامة يشترك فيها الجمع ، وقضايا غاية فى الخصوصية تنعكس من روح حالمة ، وعقل لا يألف الموروث الذى لا يتوافق مع نصاعة العقل ." لا"لا إبداع دون قضية "لا إبداع دون قضية "
وسنستعرض من خلال إطلالتنا على المجموعة القصصية "وجه القمر " أهم الآراء التى سيقت لتناول القصة القصيرة ومدى قربها أو بعدها مما لدينا من إبداع ، وكذلك ما تفرد به كاتبنا اليوم لكونى أؤمن أن لاثبات فى الإبداع حتى وإن وضعوا وكتلوا فى المعايير النقدية .ففى حين يلاحظ إدجار ألان بو أن القصة القصيرة يجب أن تمتلك وحدة التأثير أو الانطباع، وأن تُقرأ في نصف ساعة، أي في جلسة واحدة، في تأكيده أهمية التأثير الواحد، ووحدة الحبكة، والشخصية، والمزاج، واللغة ،ظهرت فى الآونة الأخيرة القصة السطر أو الجملة .....إلخ . كما أجد أيضاً أن الإبيجراما قد سبقت الشكل النهائى للقصة القصيرة ، والقصة القصيرة جدا . ًولعل الربط بين القصة والأغنية الشعرية من وجهة نظر بو قد لفتت نظر الناقد الأمريكي شارلز ماي حين تحدث عن كثافة الشعر الغنائي ووحدته .
ولعلنا نجد هذا الملمح فى " أشلاء " حيث منتهى العذوبة ، وجمال الوصف الذى يتجلى فى اللغة المتراصة ، والصياغات الشعرية الحالمة التى يسوق لنا كاتبها بدايات مقاطعها الثمانية بجمل فعلية تفيض بالرومانسية والاستمرارية والتجدد.
لكن على الرغم من كون القصة القصيرة جنساً سردياً متميزاً يمتلك تقاليد خاصةً، وبنيةً شديدة الإحكام، يجب الاعتراف بأنها لم تأخذ مكانةً لائقةً في نظريات السرد، والتاريخ الأدبي، مقارنةً بفن الرواية . إلا أن شارلز ماي، الذي تنصب دراسته على فكرة التحفيز الاستعاري في القصة القصيرة، المنشورة ضمن كتاب نظرية القصة القصيرة في مفترق طرق، قد ألقى الضوء لى على جوانب ميزت شعرية القصة القصيرة عند علاء حراز والتى كانت نشأتها في بداية القرن التاسع عشر.
واتكاءً على ما حدده الشكلانيون الروسييون يرى شارلز ماي أن القصة متوالية من الأفعال السابقة في وجودها، والمستقلة عن أي تقديم كلامي للأحداث، وبهذا يجري تمييزها عن الحبكة، والخطاب . وهو يستخدمها إجرائياً بطريقتين مختلفتين، وإن كانتا مرتبطتين: طريقة تاريخية ليشير بها إلى أسبقيتها كأسطورة على كونها خطاباً – ويتحقق لى هذا فى قصة لغة التوت ... توت ، حيث تستدرجنا الصفحة الأولى إلى التشخيص dramatizationوالتحدث بلسان الراوى لا ينبى عن شخصنة منطقية فيتوشح الحرف بوشاح أسطورى بمداعبة غاية فى الذكاء من الكاتب تجذب القارئ إلى التسآل من ؟ أو ماذا ؟..
و وجدتنى فجأة أصيح عند بلوغ السطر الثانى عشر "قطاااااار " وأنا أضحك .
البهجة تلك التى هى منشد القارئ تتماوج مع العقل والروح فى علاقة ليست السعادة هى مبحثها ، وإنما الثقة فأنت حين تقرأ تسلم نفسك كاملاً .وحينها إما أن يأخذك الكاتب حتى النهاية ... ، وإما أن تسترد ذاتك بلا رجعة .
وهناك أيضاً طريقة نظرية ليستغل الأسبقية المعروفة كتقديم بلاغي حال الخطاب . كما يستخدم الاستعارة، أيضاً، بطريقتين مختلفتين: الأولى ليشير بها إلى الظاهرة الدينية الأسطورية، والثانية بالمعنى الجمالي .
كما يتفق شارلز ماي مع ايخنباوم أحد أقطاب الشكلانية على أن القصة القصيرة شكل أساسي أولي، بل إنه يشير إلى أنها شكل له صلة وثيقة بالسرد البدائي، الذي يجسد التصور الأسطوري ويلخصه، والذي يكون من سماته التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتت . وبدلاً من تقديم التفاصيل بشكل خارجي تماماً، وبطريقة ثابتة في الزمان والمكان، فإن القصة لا تستغل إلا تلك التفاصيل الضرورية والنافعة لها، ويبدو التقدم فيها وكأنه متجه إلى هدف وحيد . وفي شكلها الفني يصبح التوتر بين المتطلبات الجمالية، ومتطلبات مشابهة الحقيقة أكثر حسماً منه في الرواية؛ ذلك أن قصر القصة القصيرة يتطلب شكلاً جمالياً أكثر مما يتطلب شكلاً طبيعياً أو أساسياً . وهي تظل، أكثر من الرواية، أقرب إلى أسلافها في بناء القصة الأسطورية، كما أنها أكثر ارتباطاً بالصيغة الرومانسية منها بالصيغة الواقعية، ومن ثم فإن الشخصيات فيها أقرب إلى أن تكون، كما يشير الناقد الكندي نورثروب فراي، شخوصاً مؤمثلة أكثر منها أناساً حقيقيين، فهي تبدو كأنها تشتغل وفقاً لتقاليد مشابهة الحقيقة والمعقولية. هذا وإن كنا سوف لا نتفق مع الانفراد بأحد المنحيين فتعالوا معى نتخذ من صانعة الأحلام مثلا . اللغة مغرقة فى الرومانسية ...المناخ أسطورى ....الحقيقة واقعية ...المعنى انفتاحى متعدد الدلالة .فلا معيارية إذن أمام رغبة الكاتب فى التجديد " تمسك ريشتها ...ترسم على الصخر قلوباً تزرع فيها النور .........."" انتزعوا السيف من جبهة الصحراء .. شقوا به صدرها .........."
أهى الثورة المصرية الأخيرة ؟ أهى الأحلام الإنسانية التى لا تركن إلى الجمود ؟........؟؟؟!!ً وكذلك" وحوش خلف الأسوار لها نفس الخط الدرامى إلا أن التلميح هو البطل ، والغلالة الملقاة على التفاصيل تفيض بالبوح . وهى حالة فنية عالية الخصوصية . الحقيقة أن الإيحاءات والإسقاط الآنى باستدعاء التاريخ و الدين والعرف والتراث وكان له ظهراً وحضوراً لا يخفى على أحد فى مجموعة وجه القمر كما فى " كراكيب " ، و " عندما يكره المرء صورته فى المرآة "..وخارج نطاق المضمون الذى وفق فيه الكاتب ...يأتى الشكل ليمثل تفرداً يفيض بجمال اللغة ورشاقتها ؛ بل وحنوها أيضاً. ففى ص 71 لنر كيف يصف الكاتب وجه الفلاح : " نظرت إلى وجهه .. لم أر فيه سمرة الطين العطشى ... الطرقات المتربة ... أنين السواقى ... لم أر فى كعبيه الأخاديد الظمأى ، كأنما كساها الزبد .... ولم أسمع فى صوته ضجيج طاحونة القرية ."
إن الشخصيات في القصة القصيرة، كما يذهب ماي، هي في الوقت نفسه أقنعة اجتماعية في قص واقعي، وتجليات رمزية في قص رومانسي، وتتحول في عملية السرد إلى مجاز، أي أنها تصبح واقعةً في خطاب من صنع مجازها وهاجسها الخاص . وهذه هي العملية التي يحول بها التحفيز الواقعي والعرض الرومانتيكي قصة الرومانسية القديمة إلى خطاب قصصي جديد . .
وهكذا تظل القصة القصيرة، أحد فنون الكتابة الأدبية، والتى وصفها الكاتب العالمى الكبير نجيب محفوظ بإنها "شعر الدنيا الحديث"، قاصداً بذلك السرد أو النثر الأدبى مقابل القصيدة.
إن القصة القصيرة استطاعت فى الفترة الأخيرة أن تجد خطا مشروعا وموقفا يناسب طبيعة التوهج العالمى والحراك السياسى الدولى وسرعة التكنولوجيا فى التواصل بين الشعب والكتاب والأفراد، فى ظل كل هذا استطاعت القصة أن تجد مشروعية الوجود فى زمن قيل عنه إنه "زمن الرواية"
ولاأعتقد أن القصة القصيرة تراجعت، لكنها وكما يسميها فرانك أوكونور "الفن الخالص" وطبيعة مثل هذا الفن أنه يكون عصيًا على التسويق فلقد التفتت جائزة نوبل للقصة القصيرة ومنحتها للكاتبة الكندية أليس مونرو التي شيدت مجدها عبر منجزها القصصي، فنادرًا ما يكون هناك كاتب كبير لا يترك سهمًا في هذا الفن المراوغ مثل بورخيس وكافكا وماركيز وتشيكوف ويوسف إدريس
في سياق النصوص النثرية الحديثة تتنوّع الطرائق الأسلوبية تنوعاً ينسجم مع قواعد الأسلوب العربي القديم أحايين كثيرة، ويكتسب وقْع الحاضر في بعض مواقفه، وأرى أن علاءً حراز فى إحدى وعشرين قصة قصيرة قد حاور الأسلوبين في إبداعه هذا، حيث مال إلى الجمل الفعلية في بداية معظم القصص كما فى " جلَست على حافة صخرتها " ، و" استيقظتُ هذا الصباح ، و "التقاه كعادته كلما ضاقت عليه الدنيا "، ثم أخذ التداور بينها وبين الإسمية في لب النصوص، وفى بداية بعضها مثل : اغتراب"الساعات تجر أذيال الزمن البالى ....تتقاطر قطرة قطرة ...تصارعنى عقاربها..تمر على رفاتى ..تدور فى اتجاه عكسى ...تذوب الثوانى فى سيل لفتاتى المنجرفة.."،
" كلما وقفت ذلك الموقف أدركتنى الذاكرة بما كان يحدث لى عندما كان مدرس الابتدائى يعاقبنى "فى : كل حاجة بجنيه ، وكما فى : أوراق تتساقط من الرجل الباهت فى الورقة الأولى " شباب يهرول نحو الهرم ،ورأس يأكلها الشيب، وحطام رجل..." ، وكذلك فى : " " ، ولعل استخدام الكاتب لبدايات تتمثل فى شبه الجملة كما فى الورقة الثانية : " فى المهد كان صبيا، وفى المهد صلب الحب ... "،وفى الورقة الثالثة : " على فراش الموت تلفظ أنفاسها الأخيرة .... "، كل هذه البدايات إضافة ؟إلى استخدامه للأسلوب الإنشائى كما فى :عقل عيال " بابا النونو ده جه إزاى ؟!!"، وكذلك فى كل حاجة بجنيه :الآن ماهو الذنب الذى اقترفته ؟!!!" ، " ثم ما هى تلك الأعمال الصالحة التى فعلها هؤلاء الجالسون؟!!!" كان له الفضل فى جذب المتلقي لمتابعة الموقف الذي يتبناه. في حين اتجهت النصوص إلى تكثيف اللغة لتعميق دلالات النصوص خاصة أن مجال القصة القصيرة لا يدع للمبدع مساحة نصية للمناورة بين النصوص وبين المعجم اللفظي؛ فبدتْ النّصوص محكمة السرد مما ألبس الدلالة ثوباً متأنقاً يرسلها جمالا يتوارى خلف ضباب الكلمات: "أتانى المخاض إلى جذع الخريطة "، و"القبة الخضراء مكسوة باللون الأسود".ومن أجمل ما قرأت فى ساحة التلميح ص 27" بالرغم من برودة الأنامل
ما زال الدفء يسرى بين ذراعيه ..مازال الوجه مبتسماً فى وجهى... ما زال القلب يئن خوفاً على من الجرذان ... ما زال الظل المترامى يحمينى من حر الشمس .
وثمة انسجام بين العناوين المطروحة في بعض النصوص وبين نهاياتها، فقصة "كل حاجة بجنيه " خُتمت بـ " كل حاجة بجنيه "، وقصة "عقل عيال" (إذا لعب بأعواد الثقاب) انسجمت كثيراً مع نهايتها؛. وكذلك في قصة "صانعة الأحلام"تأتى النهاية :"يدورون فى فلك أعرافهم الموروثة ..يسبحون بعظام ألسنتهم :
- هذا ما وجدنا عليه آباءنا صـــــ48ــــــ.

أساليب الكتابة تتعدد ولعل قصة " مخلوقات من الفضاء " تلك القصة الواقعية قامت على فكرة المقابلات بين ما هو فضائى وما هو أرضى ، وكذلك الرجوع إلى الماضى flash back وظلت المقابلات تتدرجالغوص فى حمم البراكين ، إلى أن طغت فى النهاية لترسخ للواقع فى جملة الفتاة التى أغلقت النص : " أصل معلييش الدور النهارؤدة فى السندويتشات .
فى ص 58 " ترتل عليه ما تيسر من آيات نورها ... تعلمه أبجديات اللغة المنسية . " نجد النعت دال على ثقافة الكاتب وقراءاته التى لا تخفى ؛ بل تترك بصماتها هنا وهناك طامحةً إلى الحقيقة التى هى أمله المنشودفى ازدواجات لم يصرح بها ليهمى علينا معانى الذوب فى عالم:
(الرجل – الفرد ... المرأة – الوطن ....الطفل – الحلم ) فى تناص سردى مضمونى ويبزغ الملمح الوجودى فى " وجه القمر" فى آخر ص 59 يعمق معانى النبذ والغربة والقيد .

وبعد، فقد استمتعت كثيراً بهذه الرؤى الإبداعية، وكان لها أثر في نفسي إذ أن كاتبنا يحمل أفكاراً متميزة وفلسفة واضحة الرؤيا للحياة والكون ولا يمكننا أن نتغافل أبو فراس الحمداني عندما قال :
الشعر ديوان العرب أبدا وعنوان الأدب
ولأن الرواية فن حديث، فإن ما ينازع الشعر على أقدميته هو القصة القصيرة، والتي هي امتداد للقصص الشعبية التي تربت عليها الذائقة الفنية العربية كما تربت على الشعر، لذلك اعتمدت القصة القصيرة في حالات كثيرة على استلهام التراث والاستفادة منه، باعتباره أحد منابعها الأساسية، واحد روافدها الكثيرة التي لاتزال تستقي منها عوامل نجاحها عندما تتوفر لها أدوات النجاح الفنية الأخرى

ولا يمكننا إلا أن نقف على حدود التناص القرآنى التى تفنن وبرع فيها الكاتب بما يتساير مع ماهو مساق إليه كما فى السياق المشير إلى قصة مريم صـ19ـــ ، ويوسف صــــ28 ــ ، و موسى صــــ58ـ" خلع نعليه بواديها المقدس " ، وعيسى صـــ60ــــ
وفى هذه الصفحة يبدو أن الكاتب استجمع ذليخة وإيزيس ومريم وناعسة فى واحد ليشير إلى المرأة المحبة
بفنية فى منتهى الروعة .

إن المجال التصويرى لدى الكاتب يتسع للجوهر الاستعارى المعنوى إلى جانب المادى والذهنى فى وقتٍ واحد .. مما أضفى على الكتابة ذلك السمت الذى لم يكن ليترك القارئ إلا للإمتاع .
ولم يخلُ الكتاب من روح الفكاهة الساخرة التى تجلت فى أكثر من قصة ...ولاسيما الجردلير والحلم العربى فى توحيد العملة فى غياب الوعى لدى الرجل البسيط الذى اشترى الجرادل حتى يصبح جردلير .أو برواية أخرى فى منتهى وعى الكاتب بأن لا تحقق .
وبينما يجد البعض أن من الاستحالة على القصة القصيرة الارتقاء إلى رتبة النوع القابل لتحولات حقيقية في بنيته ووظيفته الدلالية، ويجدون أنها مازالت أسيرة أصلها الحكائي وشكلها المغلق في عصر أصبح كل شيء فيه مفتوحاً، ومحاولة الانفتاح فيها ستجعل منها مشهداً سردياً في نص روائي....، فإن كاتبنا اليوم اعتمد على التنويع فى إخراج القصة تلو الأخرى عن توقع القارئ بما يؤكد على قدرته على تجديد أدواته ، وبما يعلى الدهشة ، ويدغدغ الروح .

قراءة 2059 مرات

اعلان

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

إعلان

اعلان

اعلان

تابعنا على الفيس بوك