طباعة هذه الصفحة

حكاية السويس باختصار..مدينة لاتموت

بقلم : محمد ابو ليلة

يوم ٢٤ أكتوبر سنة ١٩٧٣ الساعة ٦ الصبح بدأ الطيران الإسرائيلي في قصف مدينة السويس واشتد القصف على منطقة الزيتية والمناطق المحيطة بالقطاع الزراعي وشمل كل مناطق المدينة واستمر ل ٤ ساعات متواصلة، لكن طائرات العدو تجنبت إصابة المداخل الرئيسية الثلاث للمدينة "محور المثلث"- وهو المدخل الغربي من ناحية الطريق الرئيسي القادم من القاهرة إلى السويس وامتداده شارع الجيش وميدان الأربعين.

والمحور الثاني "محور الجناين" في طريق الإسماعيلية مدخل السويس الشمالي حتى منطقة الهويس ثم شارع صدقي ومنه إلى ميدان الأربعين، والمحور الثالث "محور الزيتية"- وهو المدخل الجنوبي للسويس من ناحية بورتوفيق.

كان هناك كمين رئيسي وعدة كمائن فرعية عند كوبري الهويس على محور الجناين شكله أفراد من جنود الجيش العائدين من إسماعيلية، وعلى امتداد محور المثلث كان هناك عدة كمائن أخرى منها كمين رئيسي عند مزلقان البراجيل بشارع الجيش يضم أفراد من الجيش المصري والشرطة والمدنيين وأمامهم الفدائيين أحمد أبو هاشم وفايز أمين أعضاء منظمة سيناء العربية.

وعلى امتداد المحور كمين أخر في ميدان الأربعين يقوده الفدائيين محمود عوّاد وعلى سباق وعدد من المواطنين.

وكمين أخر عند مزلقان السكة الحديد بجوار مقابر الشهداء، رأى أفراء المقاومة الشعبية نصبه في هذا المكان رغم أنه لا يقع على محور رئيسي وذلك لمواجهة احتمال أن يقوم العدو بحركة تطويق لميدان الأربعين عن طريق دفع عدد من العربات إلى الشارع الجانبي الموازي لسور نادي اتحاد السويس، وضم هذا الكمين الفدائيين محمد سرحان وأحمد عطيفي وإبراهيم يوسف وفايز حافظ وعدد من المدنيين.

إلى جانب هذه الكمائن كان يقبع في المنازل على امتداد المحاور الثلاثة خاصة محور المثلث-الأربعين ألاف من جنود القوات المسلحة المصرية وأفراد فرق حماية الشعب والمدنيين ورجال الشرطة وكان تسليحهم لا يزيد على بنادق ألية أو مدافع رشاش خفيفة وبعضهم كان بلا سلاح، كل هذه التفاصيل ذكرتها في كتابي #كل_رجال_السويس❤️

الساعة ٩و ٤٥ دقيقة صباحاً
بدأ الهجوم البري الإسرائيلي وكانت أولى قوات الهجوم الفاشلة في محور الجناين دخلت كتيبة من اللواء المدرع الإسرائيلي الذي يقوده العقيد أربيه وعندما بدأت طلائع الكتيبة في العبور على كوبري الهويس للوصول إلى شارع صدقي لاجتيازه إلى ميدان الأربعين تصدت لها الكمائن الموجودة ودارت معركة قام فيها كمين من القوات المسلحة المصرية بتدمير أجزاء من اول الدبابات الإسرائيلية التي حاولت تعبر الكوبري بعد تعطيلها استدارت باقي الدبابات للخلف ولم يحاولوا العبور مرة أخرى

١٠ صباحاً
قامت الكتيبة المدرعة التي احتلت طريق الزيتية ليلة ٢٤ أكتوبر بقيادة العقيد جابي باجتياز الطريق المحاذي للشاطئ ببطء على شكل مثلث وهمي ووصلت دبابات هذه الكتيبة بالفعل إلى قصر الثقافة، ثم تقدمت إحدى الدبابات الإسرائيلية إلى مبنى محافظة السويس ووقفت دبابات أخرى أمام مبنى الاتحاد الاشتراكي وسيطرت على شارع سعد زغلول، بينما تقدمت دبابة أخرى إلى أول شارع بورتوفيق بالقرب من قهوة أبو حجازية في بداية طريق بورتوفيق وتقدمت دبابة أخرى إلى فندق بلير في انتظار موجة الهجوم الرئيسي الذي سيتقدم عبر محور المثلث لتلتقي بِه بعد أن يجتاز شارع الجيش وميدان الأربعين.

الساعة ١٠ و٥٠ دقيقة صباحاً
تقدمت كتيبة مدرعة أخرى إسراءيلية وكتيبة مظلات في عربات مدرعة نصف جنزير على ثلاث موجات وكانت كل موجة مكونة من ثماني دبابات تتبع كل دبابة عربتان مصفحتان أول موجة دبابات دخلت كانت وراء كل دبابة عربات مجنزرة عليها لوحات الجيش المصري وأعلام الجزائر - تم الاستيلاء عليهم أثناء التقدم من الدفرسوار إلى السويس- ووراءها في الصندوق ٦ دميات على شكل جنود إسراءيلين حاملين سلاح ألي لا يوجد بها جنود ما عدا سائق العربة وصف ظابط، وكانت خدعة من الإسرائيلين لمعرفة أماكن اختفاء الفدائيين وتجنباً لخسائر في أرواح الاسرائيلين.

وصلت موجة الدبابات لميدان المثلث وعبرت عمارات المثلث بهدوء وثقة ثم اجتازت شارع الجيش وعندما وصلت الموجة الأولى إلى ميدان الأربعين وكان الفدائي محمود عوّاد يحمل اربي جي ٧ وبجواره زميله فتحي عِوَض الله ويقفان بجوار مزلقان مجاور لمبنى الجمعية الاستهلاكية خلف دشمة خرسانية -أنشأت منذ حرب ٥٦- وأطلق عوّاد أول قذيفة على الدبابة الأولى الإسرائيلية من نوع باتون اصابتها وتوقفت لكن دبابة إسرائيلية أخرى من نوع سنتوريون اقتربت وفجرت الدشمة الخرسانية التي كان يقف خلفها الفدائيين، عوّاد وزميله كانوا قد تحركو بسرعة للجهة المقابلة قبل تفجير الدشمة، وأطلق عوّاد قذيفة أخرى تجاه الدبابة السنتوريون لكنها لم تصاب بسوء بسبب كفاءتها العالية مقارنة بالدبابة الباتون.

وفي كمين مزلقان الشهداء القريب من سينما رويال -بنك الاسكندرية الأن- استطاع الفدائي أحمد عطيفي أن يطلق قذيفة أر بي جي على دبابة إسرائيلية لكنها كانت إصابة طفيفة ومرت دبابات أول موجة من شارع الجيش بخسائر طفيفة إلى أن جاءت الموجة الثانية تتقدمها دبابة إسرائيلية سنتوريون ضخمة استعد عطيفي في كمين سينما رويال لضربها لم يكن قد بقى معه سوى قذيفتي أر بي جي، أسرع عطيفي ليمسك ب ماسورة القاذف من الجزء الملتهب احترق كف يده، وكان القدر على موعد مع البطل إبراهيم سليمان حينما طلب منه زميله محمد سرحان أن يعد قذيفة ليطلقها على الدبابة الضخمة.
جلس إبراهيم سليمان بجوار الخندق الموجود بين سينما رويال وسينما مصر ترقب قدوم الدبابة ثم أطلق قذيفة الأر بي جي لتستقر أسفل برج الدبابة ويختل توازنها ويستدير برجها متجهاً إلى حيث يقف إبراهيم سليمان وأحمد عطيفي ومحمد بهنسي وثلاثة فدائيين أخرين، ويخيل لهم للحظات أن برج الدبابة سيطلق عليهم قذيفة في الحال وفجأة سقط برج الدبابة على الأرض وكأن ما حدث لبرج الدبابة يجسد مقولة الأستاذ حسين العشي المؤرخ السويسي الراحل أن ماسورة الدبابة سقطت على الأرض وكأنها تنحني احتراماً لفدائي السويس، وبعد سقوط مأسورة الدبابة سقط قائد الدبابة هو الأخر على الأرض بعدما قسمته قذيفة إبراهيم سليمان إلى نصفين.

كان عدد من الجنود الإسرائليين داخل الدبابة لا يستطيعون الخروج وإبراهيم سليمان وأحمد عطيفي يواصلون إطلاق النيران ناحيتهم، وقتها أمرهم محمود عواد أن يهدئوا إطلاق النيران وجري مسرعاً في اتجاه الدبابة وقفز وألقى قنبلة في برج الدبابة وفر مسرعاً بخفة حركته قضى على ما تبقى من إسرائيليين بداخلها واشتعلت قلوب الفدائيين حماس، بعدها يتجه إبراهيم سليمان سريعاً إلى ناحية الخندق الأيسر ليطلق القذيفة الثانية على حاملة الجنود التي توقفت بعد إصابة الدبابة الأولى ويتوقف نتيجة لذلك كل الطابور المدرع وتتكدس الدبابات والسيارات المدرعة أمام مبنى قسم شرطة الأربعين، وفي هذه اللحظة يخرج عدد من جنود الجيش المصري والمواطنون من داخل المنازل القريبة من قسم الأربعين ويطلقون وابل من الرصاص وقذائف المولوتوف والقنابل اليدوية نحو دبابات العدو، وقتها صدرت الأوامر لما تبقى من قوات العدو المتناثرة بالاختباء داخل قسم الأربعين.

تجمع الفدائيون إبراهيم سليمان وأشرف عبد الدايم وفايز أمين وإبراهيم يوسف وأعدو خطة لاقتحام قسم الأربعين وتحريره من الإسرائيليين ذهب إبراهيم سليمان ليقفز من أعلى سُوَر الخلفي للقسم شاهده قناص إسرائيلي في الدور الثاني من القسم اطلق عليه عدة طلقات ليستشهد في الحال وظلت جثته معلقة اعلى سُوَر القسم لثاني يوم من المعركة.

لا تزال المعركة مستمرة وصل الفدائي أشرف عبد الدايم لمدخل القسم الرئيسي ومن خلفه فايز أمين اشتبكا الأثنان مع الإسرائيليين واستشهد أشرف عبد الدايم على عتبات قسم الأربعين بينما يطلق قناص إسرائيلي رصاصاته تجاه فايز أمين ليستشهد هو الأخر بجوار الخندق الداخلي للقسم وفي الكمين الأخر بالقرب من مزلقان البراجيل استشهد الفدائي أحمد أبو هاشم بعدما دمر أخر دبابة في الفوج الإسرائيلي الثاني الذي دخل من شارع الجيش واستمرت تلك المعركة حتى أذان المغرب وقتها كان الجميع صائمين وأخذت صيحات الله أكبر تعلو شوارع السويس ..

لكن ما تبقى من جنود العدو اختبأ في بعض المنازل ودباباتهم ومجنزراتهم في الشوارع لا تزال سليمة، وقتها أمر قائد الفدائيين محمود عوّاد زملاءه باشعال كل دبابات العدو بالبنزين والمولوتوف حتى لا يستخدموها مرة أخرى، وقبل احراق دبابات العدو كان عوّاد ومحمود طه يختبئون بالقرب من دبابات إسرائيلية في شارع الجيش ووجدو جندي مصري يتبع غرفة عمليات الدفاع المدني التابع للشرطة يسير في منتصف شارع الجيش ويغني كلمات أغنية أنت عمري لأم كلثوم وقد تخيل أن المعركة انتهت وفجأة أصيب بطلقة من أحد المنازل التي اختبئ فيها الإسرائيليون ووقع شهيداً على الفور..

طلب عوّاد من زميله طه أن يزحف ويأتي بالجندي المصري محاولين إنقاذه سحبوه وذهبوا به إلى مستشفى السويس لكنه فارق الحياة، واكتشف الفدائيين ان الرصاصة التي قتل بها إسرائيلية من نوع إف إن، كانوا مدربين على معرفة أنواع الرصاص.

"بعد ما اتكدنا ان الجندي مات كان معايا قنابل يدوية وحارقة قبل ما نولع الدبابات سحبت تيلة من القنبلة ورميتها في البيت المهجور اللي ضرب نار عالجندي المصري، وجريت على باب البيت بعد انفجار القنبلة سمعت قدم عسكري عالسلم، البيت كان خشب وسلمه في اتجاه واحد، القنابل اليدوية كانت خلصت معايا وفاضل قنبلة حارقة فقط، لاقيت العسكري الاسرائيلي سميت الله ورميت القنبلة انفجرت وسمعت صريخه، لاقيت النار مولعة في السلم، تاني يوم لما المعركة خلصت لاقييناه راْسه مقلوبة ونصه التحتاني كله فحمة محروقة، ولاقينا ٣ اسرائيلين مقتولين جمبه".. هكذا قال قائد الفدائيين محمود عوّاد في شهادته على ذلك اليوم في كتابي #كل_رجال_السويس ...

انتهى يوم ٢٤ أكتوبر بعد أن قتل الفدائيين حوالي ١٠٠ إسرائيلي وأصابوا ٥٠٠ أخريين، واستولوا على ٢٠٠ بندقية ألية و٨ مدافع هاون و ألاف الذخائر الإسرائيلية، وفقدت مصر نحو ٨٠ شهيداً و٤٢ جريح في ذلك اليوم..

كابتن غزالي رحمه الله كتب قصيدة ينعي بها
شهداء معركة الأربعين وقال:
خلديهم يا بلدنا لما نصرك يبقى عيد
علي محرم بن قلبك مصطفى وأخوه سعيد
خلديهم يا بلدنا وقيدي منهم نور صباحك
خلدوكي هما قبلا لأجل ما تعودي لبراحك
إبراهيم سليمان وأشرف
أحمد أبو هاشم في أشرف
ملحمة والمولي حافظ
ندهتك فايز يا حافظ
والسويس أدان ومدنى جزء من كتابي #كل_رجال_السويس

قيم الموضوع
(0 أصوات)
السويس بلدي

أحدث مقالات السويس بلدي